كمال الدين دميري

90

حياة الحيوان الكبرى

وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض ، فقال سليمان للطير : اقبضي جناحا جناحا » . قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه : فطفق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير ، وقبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بيده ، وغلبت عليه يومئذ المضرحية ، انفرد باخراجه الإمام أحمد وإسناده جيد ورجاله ثقات . ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية ، أي غلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الأجنحة . واحدها مضرحي . قال الجوهري : وهو الصقر الطويل الجناح . ويوضح هذا المعنى ويبينه ما روي عن وهب بن منبه ، أنه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام ، فجلسوا في الشمس ، في يوم صائف ، وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب ، عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ، فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية عليهم ، لما أصابهم من الحر ، فخرج سليمان فنادى الطير ، فأجابت فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه ، حتى استمسكت الريح ، فكاد الناس أن يهلكوا غما ، فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم ، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح ، ففعلت فكان الناس في ظل ، وتهب عليهم الرياح فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان عليه السلام . فائدة : قال الضحاك والكلبي : ملك داود عليه السلام بعد قتله جالوت سبعين سنة ، ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود عليه السلام ، وجمع اللَّه لداود بين الملك والنبوة ، ولم يجتمع ذلك لأحد قبله ، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط ، فذلك قوله « 1 » تعالى : * ( وآتاه الله الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ ) * قيل : العلم مع العمل وكل من علم وعمل فقد أوتي الحكمة وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا ، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، فذلك قوله تعالى : * ( وشَدَدْنا مُلْكَه ) * « 2 » وقال مقاتل : كان سليمان عليه السلام أعظم ملكا من داود ، وأقضى منه وكان شاكرا لأنعم اللَّه تعالى ، وكان داود أشد تعبدا منه . توفي داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ، وكان عمر سليمان عليه السلام لما وصل إليه الملك ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة . والصقر أحد أنواع الجوارح الأربعة : وهي الصقر والشاهين والعقاب والبازي ، وتنعت أيضا بالسباع والضواري والكواسر ، والصقر ثلاثة أنواع : صقر وكونج ويؤيؤ ، والعرب تسمى كل طائر يصيد صقرا ، ما خلا النسر والعقاب ، وتسميه الأكدر والأجدل والأخيل ، وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب ، لأنه أصبر على الشدة وأحمل لغليظ الغذاء والأذى وأحسن ألفا وأشد إقداما على جملة الطير من الكركي وغيره . ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم ذكره من الجوارح وأرطب ، وبهذا السبب يضري على الغزال والأرنب ، ولا يضري على الطير ، لأنها تفوته وهو أهدأ من البازي نفسا ، وأسرع أنسا بالناس وأكثرها قنعا ، يغتذي بلحوم ذوات الأربع ، ولبرد مزاجه لا يشرب ماء ولو أقام دهرا ، ولذلك يوصف بالبخر ونتن الفم . ومن شأنه أنه لا يأوي إلى الأشجار

--> « 1 » سورة البقرة : آية 251 . « 2 » سورة ص : آية 20 .